مسرحية «هم»… حين يتحول الجسد إلى سؤال والإسم إلى عبء

celebrities1 فبراير 2026

CELEBRITIES- عائشة بوزرار _

انطلقت فرقة “مسرح أنفاس” في جولتها الوطنية بعملها “هُم” من الدار البيضاء، حيث افتتحت العروض السبت 31 يناير 2026 بقاعة عبد الصمد الكنفاوي.

المسرحية مقتبسة من نص الشاعر عبد الله زريقة، ودرامتورجيا وإخراج لأسماء هوري، تناقش قضايا العجز عن التعبير وتأثير “الآخر” على كينونة الفرد، كما تطرح سؤالًا وجوديًا مركزيا: إلى أي حدّ يملك الإنسان حريته في اختيار ذاته؟ سؤال يتفرّع عنه آخر أكثر جذرية: هل الاسم والجسد اختيار أم قدر؟ وهل يمكن للـ«أنا» أن توجد خارج سلطة «الهُم»؟

منذ اللحظة الأولى، يضع العرض المتفرّج داخل مناخ مشحون بالخوف والترقّب. موسيقى صاخبة، أجساد مضطربة، وظلال عملاقة تتصارع خلف جدار يقسم الفضاء المسرحي، قبل أن ينفتح الباب وتواجه الشخصيات الجمهور مباشرة، تحت إضاءة حمراء كثيفة ترمز للتوتر والقلق الوجودي. هنا لا يكون المتفرّج مجرد شاهد، بل طرفًا ضمن لعبة الخوف والانتظار.

الأجساد الأربعة على الخشبة (زينب علجي، محمد شهير، هاجر الشركي، عبد الرحيم التميمي) لا تحمل أسماء ولا هويات. أجساد تنتفض، تتجرّد من ملابسها، وتضع ما تخلّت عنه في سلة قمامة، في فعل رمزي واضح: التخلّص من كل ما فُرض عليها. الاسم، الجسد، الماضي، وحتى اللغة، تتحوّل إلى قيود يجب نزعها. الكلمات نفسها تتمرّد، تختنق في الحناجر، وترفض الخروج.

النص، الذي يستلهم أسئلة عبد الله رزيقة، لا يُقدَّم بوصفه حكاية تقليدية، بل ككتلة فكرية متشظية. الشخصيات تتكلم بصوت واحد، في الوقت ذاته، وبالمنطوق نفسه، وكأننا أمام ذات واحدة متعددة الوجوه. هنا تتلاشى الحدود بين الفردي والجماعي، بين الـ«أنا» والـ«نحن»، ليطفو ضمير الغائب: «هم».

«الهُم» في هذا العمل ليسوا محدّدين. إنهم العائلة، المجتمع، السلطة، الأعراف، المنظومة، وكل ما يساهم في تشكيل الإنسان دون استئذانه. اختيار الاسم، طريقة الحركة، اللباس، اللغة، وحتى التفكير، كلها تُصنع خارج إرادة الفرد. ومن هنا ينبثق السؤال الجوهري: ما مساحة الحرية المتاحة للذات داخل منظومة اجتماعية مغلقة؟

المسرح، في هذا العرض، يُقدَّم بوصفه فضاءً مطلقًا للحرية. دائرة مربعة تتحرك داخلها الشخصيات بلا توقف، تتصارع، تتلاقى، وتتفرّق، مثل أفكار ترفض أن تستقر في ذهن كاتبها. الجسد هو الأداة الأولى للتعبير، لغة قائمة بذاتها، محمّلة بالخوف، الوجع، والرغبة في الانفلات. وقد اشتغلت المخرجة أسماء الهوري على الجسد بوصفه «مطية للتجريب»، حاملة إياه معاني التمرّد ورفض الهوية الجاهزة.

تلعب الموسيقى الحية، من تأليف رشيد الرومي، دورا أساسيا في العرض. فهي ليست خلفية سمعية، بل صوت بديل للشخصيات حين تعجز عن الكلام. عازفو العود والتشيلو خلف الستارة يترجمون ارتباك الجسد وصراعه الداخلي، لتصبح الموسيقى لغة ثانية للنص، وصوتا للأفكار المكبوتة.

أما الإضاءة، فساهمت في نحت ملامح الشخصيات وتوجيه قراءة المتفرّج. الأحمر، المسيطر في أغلب المشاهد، يحيل إلى الخطر والانفجار الداخلي، قبل أن ينفتح الباب في المشهد الأخير، وتغمر الإضاءة كامل الركح، في لحظة تشبه الانفجار يعقبها صمت ثقيل، يترك السؤال معلقًا دون إجابة.

«هم» ليس عرضا يقدم حلولا، بل تجربة مسرحية تضع إنسانية الإنسان على محكّ السؤال. عرضٌ يجعل المتفرّج يواجه ذاته، ويسائل علاقته بالآخر، وبالاسم، وبالجسد. وهو عمل يرسخ توجه أسماء الهوري التجريبي، ويؤكد حضور المسرح المغربي في فضاءات التساؤل الفلسفي والجمالي، كما مثّل المغرب في الدورة الأخيرة لمهرجان المسرح العربي بمسقط.

في «هم»، لا نعرف من نكون، ولا من نختار أن نكون، لكننا نغادر الخشبة ونحن نحمل سؤالا واحدا ملحّا: هل يمكن للإنسان أن يكون ذاته حقا، خارج «الهُم»؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :يشترط في التعليقات عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم